محمد جمال الدين القاسمي

229

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المشركين أيضا ، وقساوة قلوب الفريقين ، وأنه كان الأجدر بهما أن يعترفوا بالحق كما اعترف به النجاشي وأصحابه . وقال ابن كثير : هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ [ آل عمران : 199 ] . الآية ، وهم الذين قال اللّه فيهم : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . . - إلى قوله - لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [ القصص : 52 - 55 ] . انتهى . وكان سبب هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة ؛ أنّ قريشا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم ، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم ، فافتتن من افتتن منهم ، وعصم اللّه من شاء منهم . قال ابن إسحاق رحمه اللّه تعالى : فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء ، وما هو فيه من العافية ، بمكانه من اللّه ومن عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء - قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة . وفرّوا إلى اللّه بدينهم . فكانت أول هجرة كانت في الإسلام . فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين - سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانين رجلا ، إن كان عمّار بن ياسر فيهم ، وهو يشكّ فيه . ثم روى ابن إسحاق بسنده إلى أم سلمة - زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - قالت : لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيّ . أمنّا على ديننا ، وعبدنا اللّه تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه . فلمّا بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشيّ فينا رجلين منهم جلدين . وأن يهدوا للنجاشيّ هدايا مما يستطرف من متاع مكة . وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم . فجمعوا له أدما كثيرا . ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلّا أهدوا له هدية . ثم بعثوا بذلك عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو ابن العاص . وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشيّ فيهم . ثم قدّما إلى النجاشيّ هداياه . ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .